لیبیا
كانت «لیبیا» من قلیل الدول التي أدانت عدوان العراق على إیران خلال فترة الدفاع المقدس، قدّمت مساعدات تسلیحیة للجمهوریة الإسلامیة.
تقع «لیبیا» في شمال القارة الإفریقیة و یبلغ عدد سكانها نحو 4.6 ملیون نسمة.[1]و مساحتها 1,759,540 كیلومتر مربع و عاصمتها «طرابلس». نالت البلاد استقلالها عن «بریطانیا» عام 1951. في عام 1969م استولى العقید «معمر القذافي» على السلطة عبر انقلاب هادئ.[2]و على الرغم من إعلانه السیاسة القائمة على عدم الانحیاز، فإن علاقاته الوثیقة مع الاتحاد السوفییتي جعلت «لیبیا» قاعدة لتوسّع النفوذ السوفییتي في المنطقة.[3]
بدأت العلاقات السیاسیة بین «إیران» و «لیبیا» قبل وصول القذافي إلى الحكم، حیث أُقیمت لأول مرة عام 1967م (1346هـ.ش). و بعد تولّي «القذافي» السلطة استمرت العلاقات و في عام 1968م (1347هـ.ش) أصبح سفیر إیران في تونس سفیراً غیر مقیم في لیبیا أیضاً.لكن بعد ممارسة إیران سیادتها على الجزر الثلاث في الخلیج الفارسي عام 1971م (1350هـ.ش)، أعلنت لیبیا معارضتها لذلك، فتدهورت العلاقات بین البلدین.[4]
بعد انتصار الثورة الإسلامیة، أعلنت لیبیا دعمها للثورة و أرسلت وفداً برئاسة الرائد «عبدالسلام جلود» رئیس وزراء لیبیا آنذاك، إلى «طهران»، حیث التقى الوفد ب«الإمام الخميني». في نوفمبر 1979(آبان 1358هـ.ش) التقى مبعوث وزیر الخارجیة اللیبي بوزیر الخارجیة الإیراني في الحكومة المؤقتة و تم الاتفاق على استئناف العلاقات السیاسیة بین البلدین.
كان «سعد مجبر» أول سفیر لیبي في إیران بعد الثورة و قد وصل إلى «طهران» في يونيو 1980(خرداد 1359هـ.ش) و في المقابل افتتحت إیران سفارتها في «طرابلس» في أكتوبر 1980(مهر 1359هـ.ش).لكن بسبب قضیة اختفاء «الإمام موسى الصدر» في لیبیا، لم یُستقبل ممثل لیبیا بحفاوة من قبل الحكومة المؤقتة.
كان «الإمام موسى الصدر»أبرز شخصیة شیعیة في لبنان، قد دخل لیبیا في 25 أغسطس 1978(3 شهریور 1357هـ.ش) بدعوة رسمیة من «القذافي»، ثم اختفى في 31 أغسطس، من العام نفسه.[5]
أثّر هذا الموضوع في علاقات إیران و لیبیا بعد انتصار الثورة الإسلامیة و شكّل دائماً عائقاً كبیراً أمام تحسّن العلاقات بین البلدین؛ حتى إنّ «الإمام الخميني» بعد انتصار الثورة، رفض لقاء «القذافي» رغم طلبه ذلك، لأنّ إیران كانت ترى أنّ مسؤولیة اختطاف «الإمام موسى الصدر» تقع على عاتق الحكومة اللیبیة.[6]
مع بدایة الحرب المفروضة التي شنّها العراق على إیران، أدانت «لیبیا» رسمیاً هذا العدوان، واعتبرت العراق معتدیاً.[7]و خلال سنوات الحرب، كانت «لیبیا» بعد «سوریا» أقرب دولة عربیة إلى إیران من حیث العلاقات السیاسیة و الاقتصادیة.[8]
ینقسم أداء الحكومة اللیبیة في الحرب المفروضة إلى مرحلتین. في المرحلة الأولى، التي بدأت مع الهجوم العسكري العراقي و توغّله داخل الأراضي الإیرانیة، اتخذت «لیبیا» مواقف حاسمة في إدانة العراق و دعم إیران و وصفت الحرب بأنّها مؤامرة إمبریالیة و صهیونیة ضد الجمهوریة الإسلامیة. كان من أسباب هذا التقارب، العداء القائم بین «لیبیا» و «العراق» و سعي لیبیا إلى مواجهة النزعة التوسعیة العراقیة في العالم العربي.[9]
بالنسبة لإیران، كان الارتباط بلیبیا ذا فوائد عدیدة، من أبرزها تأمین جزء مهم من المعدات و التسلیحات التي كانت بحاجة إلیها. فقد كان تأمین السلاح إحدى المشكلات الأساسیة لإیران خلال الحرب و قد ساعدت لیبیا في هذا المجال.تمكنت إیران، طوال فترة الحرب، من الحصول على أسلحة من دول الكتلة الشرقیة ولاسیما الاتحاد السوفییتي، عبر لیبیا و سوریا، رغم عدم وجود علاقات مباشرة لها مع تلك الدول. إلى جانب سوریا، كانت لیبیا من أهم المصادر غیر المباشرة لتوفیر المعدات و الأنظمة العسكریة لإیران من دول أخرى، خصوصاً الاتحاد السوفییتي.[10]فعلى سبیل المثال، لم تكن إیران تمتلك صواریخ أرض–أرض حتى عام 1984م (1363هـ.ش).[11]
في تلك الفترة و مع استمرار الهجمات الصاروخیة العراقیة على المدن الإیرانیة، تمكنت إیران من الحصول على منصة إطلاق لصواریخ «سكاد–بي» مع 30 صاروخاً من هذا الطراز من لیبیا.[12]كما حصلت إیران من لیبیا على منظومة الدفاع الجوي «سام–2».[13]
ارتفع مستوى العلاقات الاقتصادیة بین إیران و لیبیا منذ عام 1981م(1360هـ.ش) بالتوازي مع تطور العلاقات السیاسیة و زیادة زیارات المسؤولین بین البلدین.[14]كان الدعم اللیبي لإیران خلال الحرب متأثراً أیضاً بعوامل اقتصادیة؛ إذ منحت إیران، «لیبیا» امتيازات عدیدة مقابل استمرار دعمها، من بینها تنفیذ بعض المشاریع العمرانیة، مثل بناء 1500 وحدة سكنیة في «طرابلس».[15]كما ظهرت العلاقات الاقتصادیة بین البلدین في إطار منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك)، حیث لم تكن إیران قادرة على لعب دور فعّال في المنظمة من دون دعم دول مثل «لیبیا».[16]
تتعلّق المرحلة الثانیة من علاقات إیران و لیبیا بالعام 1985م (1364هـ.ش) و ما بعده. أثارت انتصارات القوات العسكرية الإيرانية، لاسيما في عمليتي «فتح الفاو»عام 1985م(1364ه.ش.) و «كربلا5» عام 1986م(1365 ه.ش.)، موجة من القلق بين الحكومات العربية في منطقة الخليج و القوى الكبرى. كما أثارت هذه الموجة مخاوف لدى حكومة «ليبيا» و مع ردود الفعل الإقلیمیة و الدولیة تجاه انتصارات إیران، بدأت «لیبیا» تخفّف تدریجیاً من دعمها لإیران، وسعت إلى اعتماد سیاسة أكثر اعتدالاً تماشیاً مع الضغوط الإقلیمیة و جهود القوى الكبرى لإنهاء الحرب المفروضة.[17]
مع استمرار الحرب، تغيّر موقف لیبیا تجاه إیران و ظهرت توترات في العلاقات بین البلدین. في ظل هذه الظروف، اتسم سلوك لیبیا تجاه إیران بالتناقض؛ إذ حاولت تكثیف تحركاتها الدبلوماسیة و التشاور مع دول المنطقة، بل و حتى مع «العراق» لحثّ إیران على إنهاء الحرب. بدأت لیبیا بانتقاد سیاسات إیران في الحرب و في یولیو 1986(تیر 1365هـ.ش) أعلن سفیرها في اجتماع القمة العربیة في القاهرة، مع دعمه لموقف إیران، رفض لیبیا لسیطرة أي دولة غیرعربیة على أي جزء من الأراضي العربیة.[18]
في أواخر 1986م(1365هـ.ش) صرّح القذافي بأنّ دعم «لیبیا» للثورة الإسلامیة لا یتوافق مع قصف بغداد. في هذه المرحلة، تراجعت حرارة العلاقات بین «إیران» و «لیبیا» بسبب احتمال تحقق نصر إیراني حاسم في الحرب و قد رحّب «العراق» بالموقف اللیبي الجدید.مع ذلك، استمرت العلاقات التسلیحیة بین البلدین.في سبتمبر 1987(شهریور 1366هـ.ش) هدّدت الولایات المتحدة «لیبیا» بزعم بیعها ألغاماً لإیران. ردّت لیبیا برسالة إلى الأمین العام للأمم المتحدة، نفت فیها هذه الاتهامات. وصف القذافي هذه المزاعم بأنها كاذبة، مؤكداً ضرورة استمرار الضغط على إیران لإجبارها على وقف الحرب.تصاعدت هذه المواقف إلى أن صرّح القذافي في یولیو 1988(تیر 1367 هـ.ش) خلال اجتماع «الجزائر» و بعد الدعم العربي الواسع للعراق[19] قائلاً: «من أكبر أخطاء حیاتي تزوید إیران بصواریخ لاستهداف بغداد».
في النهایة و بسبب تصاعد الضغوط الإقلیمیة و الدولیة على إیران لإنهاء الحرب، انضمت «لیبیا» إلى الموقف العربي العام، بینما شهدت علاقاتها مع العراق تحسناً ملحوظاً.[20]بعد انتهاء الحرب المفروضة، ابتعدت الحكومة الإیرانیة عن «لیبیا» إلى حدّ ما، بسبب استمرار الغموض حول مصیر «الإمام موسى الصدر».[21]
في فبرایر 2011(بهمن 1389هـ.ش) و مع تدخّل الغرب، اندلعت احتجاجات واسعة في «لیبیا» ضد نظام القذافي، وانتهى حكمه في 20 أكتوبر 2011م(28 مهر 1390 هـ.ش) بمقتله.[22] بعد سقوط نظام «القذافي»، بقيت «لیبیا» بین عامي 2011 و 2015(1390–1394هـ.ش) بلا دولة فعلیة.مع تدهور الأوضاع الأمنیة و تفاقم الأزمة، أغلقت إیران سفارتها في طرابلس و نقلتها إلى تونس.[23]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منابع و ارجاعات:
- [1] سمیعی اصفهانی، علیرضا؛ نوروزنژاد، جعفر، انقلاب لیبی؛ دولت شکننده و چالشهای گذار سیاسی (ثورة لیبیا؛ الدولة الهشة و تحدیات الانتقال السیاسي)،مجلة الرؤیة السیاسیة و الدولیة الفصلية(رهیافت سیاسی و بینالمللی)، العدد 38، صيف 2014م(1393 هـ.ش)، ص89.
- [2] محجوب، محمود؛ یاوری، فرامرز، گیتاشناسی کشورها(جغرافیة دول العالم)، طهران،دار النشر:«گیتاشناسی»، الطبعة الرابعة، 1986م(1365هـ.ش)، ص293–295.
- [3] سلطانینژاد، احمد، سیاست خارجی لیبی در جنگ ایران و عراق(السياسة الخارجية لليبيا في حرب إيران و العراق)، طهران، دارالنشر:«صفحه جدید»، 2013م (1392هـ.ش)، ص 59.
- [4] المصدر نفسه، ص68
- [5] المصدر نفسه، ص 71.
- [6] المصدر نفسه، ص 72.
- [7] المصدر نفسه، ص 77.
- [8] المصدر نفسه، ص 75.
- [9] المصدر نفسه، ص 76.
- [10] المصدر نفسه، ص 80.
- [11] کردزمن، آنتونی؛ آبراهام واگنر، درسهای جنگ مدرن - جنگ ایران و عراق(كوردزمن، أنتوني؛ أبراهام فاغنر، دروس الحرب الحديثة – حرب إيران و العراق)، المجلدالثانی، الترجمة:«حسین یکتا»، دار النشر:«مرزوبوم»2011م (1390هـ.ش)، ص 444.
- [12] علایی، حسین، روند جنگ ایران و عراق،(مسار حرب إيران و العراق)، المجلدالثانی،ظهران، دار النشر:«مرزوبوم»2012م (1391هـ.ش)، ص 82.
- [13] احمدی، محمدعلی، اطلس پدافند هوایی سپاه در دوران دفاع مقدس(أطلس الدفاع الجوي للحرس في فترة الدفاع المقدس، تهران)، مركز الوثائق و بحوث الدفاع المقدس ، 2021م (1400هـ.ش)، ص 178.
- [14] .یوسفنژاد، ابراهیم، روابط ایران و لیبی: فرصتها و محدودیتها(علاقات إيران و ليبيا: الفرص و القيود)، مجلة «مجلس و پژوهش» الفصلية، السنة التاسعة، العدد 35، خريف 2002م (1381هـ.ش)، ص 91.
- [15] سلطانینژاد، احمد، المصدر نفسه، ص 83–84.
- [16] المصدر نفسه، ص 84.
- [17] المصدر نفسه، ص 85.
- [18] المصدر نفسه، ص 86
- [19] المصدر نفسه، ص 87.
- [20] المصدر نفسه، ص 88.
- [21] یوسفنژاد، ابراهیم،المصدر نفسه، ص 103.
- [22] پوراسماعیلی، نجمیه، لیبی از فروپاشاندن دولت تا دولتی فروپاشیده(ليبيا: من إسقاط الدولة إلى دولة منهارة)،المجلة العلمية المتخصصة نصف السنوية «علاقات آسيا–أفريقيا»، العدد 1، ربيع و صيف 2024م (1403هـ.ش)، ص 24.
- [23] صحيفة «همميهن»، ایران و لیبی و سایه دیکتاتور(إيران و ليبيا و ظل الديكتاتور)،6 أغسطس 2023م (15 مرداد 1402هـ.ش)https://hammihanonline.ir