بانه
تقع «بانه» في محافظة «کردستان» و هي مدينة محاذية للعراق، قد شهدت بعد انتصار الثورة الإسلامية اضطرابات واسعة بسبب الجماعات الانفصالية، كما تعرّضت خلال الحرب المفروضة لمرّات عديدة من القصف الجوي و الهجمات الكيميائية التي شنّها الجيش العراقي.
تقع «بانه» في غرب محافظة «كردستان» على بُعد 270 كيلومترًا شمال غرب «سنندج»، 21 كيلومترًا من الحدود و 75 كيلومترًا من مدينة «ماووت» العراقية.تحدّها من الشمال الغربي «سردشت»، من الجنوب المرتفعات الحدودية المتصلة بمنخفض «شيلر» داخل العراق، من الشمال الشرقي «سقز» و من الغرب منطقة «بوالحسن» و الحدود المشتركة مع العراق.[1]ترتبط «بانه» من الشمال بمرتفعات «أذربيجان الغربية» و هي امتداد لمرتفعات شرق «تركيا» و شمال كردستان العراق.
تُعدّ «بانه» منطقة جبلية، تنتشر بين مرتفعاتها الشمالية سهول مرتفعة صغيرة نسبيًا و أودية شبه مفتوحة تُعدّ مناسبة للزراعة البعلية و المروية، خصوصًا زراعة القمح.[2]مناخ المنطقة بارد و رطب نسبيًا، تغطي الغابات الطبيعية مرتفعات بانه و هي متصلة بغابات «سردشت» و «مریوان».
سكان «بانه» من الأكراد و من سلالة «الميديين» و يتحدثون الكردية السورانية بلهجة السليمانية. أهالي بانه مسلمون من أهل السنّة و يتّبعون المذهب الشافعي.[3]
تملك «بانه» طريقين رئيسيين:طريق «سقز – بانه» الذي يصل المدينة بـ«سنندج» (مركز المحافظة) و بقية مدن البلاد، «طريق بانه – سردشت» القريب من الحدود بین إیران و العراق. تقع أهم مناطق «الدفاع المقدّس» غرب هذا الطريق، كما تقع عليه ممرّات «کوخان» و «دارساوين» الشهيرة.[4]
قبل انتصار الثورة الإسلامية، نُفي كلٌّ من حجّة الإسلام «صادق خلخالي» و آية الله «ميرزا مهدي شاهآبادي» إلى هذه المدينة من قِبل نظام «بهلوی» و في الأيام الأخيرة من حكم الشاه، وقف هذان العالمان إلى جانب أهالي المنطقة الذين أعلنوا دعمهم للثورة الإسلامية و«الإمام الخميني».بعد انتصار الثورة، شهدت المدينة مثل كثير من مدن «كردستان» حوادث مختلفة و تعرّضت لاعتداءات الجماعات الانفصالية.[5]
بعد انتصار الثورة، قام «السيد جلال حسيني» شقيق «السيد عزالدين حسيني» إمام جمعة أهل السنّة في «مهاباد» و الزعيم الروحي لحزب «كومله»، بدعم من الحكومة المؤقتة، بالحصول على 400 قطعة سلاح و كميات كبيرة من الذخيرة و أسّس «لجنة الثورة الإسلامية» في «بانه».لكنّه بعد فترة أعلن الحرب المسلحة على الجمهورية الإسلامية و هاجم مقرّ جهاد الإعمار(جهاد سازندگی) في «بانه» و سائر المراکز و الدوائر الحکومیة و تمکّنوا من احتلال المدينة.
قام هؤلاء الأشخاص في 28 أغسطس 1979م(6 شهریور 1358هـ.ش) بنزع سلاح سرية الدرك في بانه و حاصروا معسكر «لواء بانه». في بانه، إضافةً إلى أنصار «الشيخ جلال الحسيني» كانت تنشط أيضًا الأحزاب الانفصالية: «الحزب الديمقراطي»، «كومله» و «تنظيم فدائيي خلق».
في 3 سبتمبر 1979(12 شهریور 1358ه.ش) تمكّنت قوات الحرس الثوري و الجيش الإيراني بقيادة الدكتور «الشهید مصطفى چمران» من تحرير مدينة «بانه» فلجأ «السيد جلال» إلى العراق و تفرّق أتباعه و سائر الجماعات الانفصالية في محيط الحدود.[6]
بعد ذلک و بموجب اتفاق الوفد الموفد من الحكومة المؤقتة للثورة الإسلامیة إلى المنطقة، كان يجب علی الجيش أن يعود من داخل المدن إلى المعسکرات و کان علی حرس الثورة مغادرة المنطقة و أن تُسلَّم مهمة الأمن إلى الدرك.لكن عمليًا و بسبب ظروف الثورة، لم يكن الدرك قادرًا على تنفيذ هذه المهمة بمفرده، مما أتاح أفضل فرصة للقوی المناوئة لإعادة البناء و تجدید التنظيم.[7]
في ظل هذه الأوضاع، لم تلتزم الجماعات الانفصالية بالاتفاق مع الحكومة المؤقتة و بدعم من النظام البعثي العراقي و رفع شعارات الحكم الذاتي التي كانت في حقيقتها دعوات انفصالية، هاجمت القوات العسكرية و الأمنية الإيرانية، بما في ذلك الجيش، الشرطة، الدرك و الحرس الثوري، واستولت على المخافر و القواعد العسكرية.نتيجة لذلك، سقطت العديد من مدن كردستان مجددًا بيد الجماعات الانفصالية.[8]
قد حاصرت العناصر المسلحة التابعة لحزب الديمقراطي، معسکر اللواء الأول من الفرقة 28 في «سنندج» التابع للجیش، في «بانه» منذ أوائل أبریل 1980(أردیبهشت 1359ه.ش). أرسل الحرس الثوري في غرب البلاد عدداً من قوات كتيبة الحرس الثوري في «طهران»، الذين كانوا قد توجهوا إلى «كرمانشاه» لتنفيذ مهمة، بواسطة مروحية إلى «بانه» لمنع سقوط معسکر«بانه» و لتقديم المساعدة للقوات المحاصرة من الجيش و الحرس الثوري في المعسكر و نجحوا في ذلك بالفعل.[9]
في هذه الظروف، بلغت الأزمة في «كردستان» ذروتها، حتى إنّ «سنندج» نفسها سقطت بيد العناصر المناوئة.في 16مایو 1980(26 اردیبهشت 1359ه.ش) تمكّنت قوات الثورة من تحرير «سنندج» و نادي «الضباط» في المدينة، الذي كان رمزًا للمقاومة و نقطة استراتيجية مهمّة في المدینة.[10]
تم تطهير مدينة «بانه» من المناوئین للثورة، أما بقيت القرى و المناطق المحيطة تحت سيطرة المسلحين، لكنها خضعت لاحقًا لعمليات تطهير تدريجية.[11]خلال «الحرب المفروضة»، تعرّضت «بانه» و محيطها إلى 77 غارة جوية شنّها الطيران العراقي.على سبيل المثال، في 25 أکتوبر 1983(3 آبان 1362ه.ش) قصف الطيران العراقي قرية «باینجان» التابعة ل«بانه» بالأسلحة الكيميائية، مما أدى إلى استشهاد و إصابة عدد من سكان القرية. قد استُخدمت في هذا الهجوم قنابل كيميائية تحتوي على «الزرنيخ» و غاز «النيتروجين موستارد» (الخردل)، المعروفة باسم القنابل الفقاعية.[12]
أما أفجع أحداث بانه فكان قصف 5 یونیو 1984(15 خرداد 1363ه.ش). في ذلك اليوم، كان أهالي بانه مجتمعين في حديقة المدينة لإحياء ذكرى انتفاضة 5 یونیو 1983(15 خرداد 1342ه.ش) حين تعرّضوا لهجوم جوي مفاجئ من قبل العدو.[13]أسفر القصف عن 605 شهداء و نحو 100 جريح؛ من بينهم 215 شهيدًا من أهالي «بانه» و 390 شهيدًا من المقاتلين الذين قدموا من مناطق أخرى.[14]
بعد هذا الحدث، و وفقًا لتوصية الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الالتزام بـ اتفاق يونيو 1984(1363هـ.ش) بين إيران و العراق حول وقف حرب المدن، ساد الهدوء في المدينة لعدة أشهر.لكن بعد سبعة أشهر، استأنف نظام «صدام» قصف المدن الإيرانية و أعلن راديو و تلفزيون «بغداد»، أنّه سيقصف 30 مدينة إيرانية من بينها «بانه».كان هذا التهديد في فصل الشتاء، حيث كان السكان يعانون من البرد القارس و تجمّد المياه، كانت درجات الحرارة تهبط أحيانًا إلى 20–25 درجة تحت الصفر.في هذه الظروف، اضطرّ أهالي بانه في 6 مارس 1985(15 اسفند 1363هـ.ش)، إلى إخلاء المدينة و اللجوء إلى القرى المحيطة، فأصبحوا مشرّدين.
في 10 مارس 1985(19 اسفند 1363هـ.ش) شنّ الطيران العراقي غارة جديدة على «بانه»، من المسجد الجامع حتى مصنع الكهرباء.قد دُمّرت معظم المنازل و المتاجر و رغم أنّ أغلب السكان كانوا قد غادروا المدينة، إلا أنّ 50 شخصًا استشهدوا.[15]في يومي 28 مارس 1985(8 فروردین 1364هـ.ش) و 26 مايو 1985(5 خرداد 1364هـ.ش) تعرضت «بانه» مجدداً للقصف، مما أسفر عن استشهاد 30 شخصاً.[16]
كان أعنف قصف على «بانه» في 28 مايو 1985(7 خرداد 1364هـ.ش) حيث تعرّضت المدينة لهجومين جويين في اليوم نفسه.في هذا القصف، اشتعلت النيران في شركة النفط و أدّى نقص الوقود إلى تعطّل المركبات.في 1، 10 و11 يونيو 1985 (11، 20 و 21 خرداد 1364 هـ.ش) قُصفت المناطق السكنية مجددًا، و دُمّرت المنازل و المتاجر المتبقية.[17]
في 2 يناير 1986(12 دی 1364 هـ.ش) هاجم الطيران العراقي «بانه» مرة أخرى، فاستشهد عدد من السكان و جُرح آخرون، واضطرّ الناس مجددًا إلى النزوح في البرد نحو المدن و القرى و الطرق.
كما قُصفت «بانه» في:24 يناير 1986(4 بهمن 1364هـ.ش)، 26يناير 1986(6 بهمن 1364 هـ.ش)، لكن المدينة كانت تحتوي على عدد قليل جداً من السكان في ذلك الوقت.في 2 مارس 1986(11 اسفند 1364هـ.ش) تعرّضت بانه و عدة قرى لقصف كيميائي.[18]
إن إخلاء المدينة استعداداً للدفاع ضد القصف، خلق مكاناً آمناً للاختباء لمجموعات المناوئین للثورة، بما في ذلك «منافقين»، «کومله» و الحزب الديمقراطي، حيث كانوا يختبئون في المنازل نهارًا و يستغلّون ظلام الليل لمهاجمة قواعد و مواقع القوات العسكرية و الأمنية.[19]مع ذلك، كانت المناطق و المرتفعات التي تسقط بيد عناصر المناوئة، تُطهر تدريجيًا بجهود القوات العسكرية و الأمنية و الشعبية.[20]
منذ الأيام الأولى لتحرير المدينة، تمركز المقاتلون داخل المدينة، بينما اتخذت العناصر المعادية المناوئة للثورة مقار لها في المناطق المحيطة بالمدينة و تم طردهم تدريجياً من النقاط الريفية. مع بدء العمليات خارج الحدود التی نفذتها القوات الإیرانیة و تركزت بشكل رئيسي حول مدينة «ماووت» العراقية، تحولت «بانه» إلى موقع لتمركز المقاتلين و هربت العناصر المناوئة للثورة من هذه المنطقة.[21]
قد استُشهد الشهيد «قاسم نصراللهی» قائد حرس «بانه»، في 3 يوليو 1988(12 تیر 1367هـ.ش) في منطقة «سورکوه» قرب «بانه».[22]
أُقيم نُصب شهداء «سیرانبند» بانه، عند النقطة صفر الحدودية بين إيران و العراق و هو مدفن 10 شهداء استشهدوا في 9 يوليو 1982(18 تیر 1361هـ.ش) الموافق 17 رمضان، بعد تسعة أشهر من الأسر على يد العناصر المناوئة و تم دفن جثامينهم من قبل أهالي المنطقة بعد أيام قليلة.[23]
مع ازدهار الأنشطة التجارية، خصوصًا مع إنشاء سوق «سیرانبند» الحدودي في عام 1994م (1373هـ.ش) تحولت «بانه» إلى مستودع للسلع المستوردة و المصدرة بين إيران و العراق.[24]
منابع و ارجاعات:
- [1] جعفرزاده، حسن، نبرد ماووت، شرح عملیات نصر 4(معركة ماووت – شرح عملیة نصر 4)، طهران، مركز الوثائق و بحوث الدفاع المقدس، 2021 (1400هـ.ش)، ص 90–91.
- [2] فرهنگ آبادیهای کشور – استان کردستان، شهرستانهای بانه، کامیاران، سروآباد (معجم القرى في إیران – محافظة «كردستان»، أقضیة «بانه»، «كامیاران» و «سروآباد»)، طهران، المنظمة الجغرافیة للقوات المسلحة، 2006م(1385هـ.ش)، ص 3.
- [3] جعفرزاده، حسن، المصدر نفسه، ص 91.
- [4] نیری، حسین، «بانه»، طهران، مؤسسة حفظ آثار و نشر قیم الدفاع المقدس، 2015م(1394 هـ.ش)، ص 18.
- [5] نیری، حسین، المصدر نفسه، ص 31–32.
- [6] المصدر نفسه، ص 32–33.
- [7] المصدر نفسه، ص 33.
- [8] المصدر نفسه، ص 37.
- [9] المصدر نفسه، ص 38.
- [10] المصدر نفسه، ص 41.
- [11] المصدر نفسه، ص 56.
- [12] نیری، حسین، المصدر نفسه، ص 59؛ موقع مؤسسة الدراسات و البحوث السیاسیة: https://psri.ir/?id=lfloacc1gp
- [13] المصدر نفسه، ص 59.
- [14] المصدر نفسه، ص 68.
- [15] المصدر نفسه، ص 68–71.
- [16] المصدر نفسه، ص 70.
- [17] المصدر نفسه، ص 70–71.
- [18] المصدر نفسه، ص 71–72.
- [19] المصدر نفسه، ص 75.
- [20] المصدر نفسه، ص 78–84.
- [21] المصدر نفسه، ص 84.
- [22] المصدر نفسه، ص 89.
- [23] المصدر نفسه، ص 56–57.
- [24] موقع «بانهپدیا»: https://www.banehpedia.com/posts/reviews-on-baneh/development-of-baneh