مَضيق پاتاق/ پاطاق
يقع «مَضيق «پاتاق» أو «پاطاق» في شمال شرقي مدينة «سرپل ذهاب» و كان الهدف الرئيسي للعراق في الجبهة الوسطى خلال الحرب، إلا أنّه لم ينجح قط في احتلال هذا المضیق، رغم تعرّضه المتكرر للقصف الجوي و قصف المدفعية طوال سنوات الحرب.
يُطلق على «پاطاق» أيضًا اسم «پایطاق» و هو اسم قرية قديمة، ممرّ جبلي و مَضيق يقع على بُعد 14 كيلومترًا جنوب شرقي «سرپل ذهاب»، بجوار نهر «چم ماهیه»، جنوب طريق (إسلامآباد -سرپل ذهاب).تمتد جبال «پاطاق» باتجاه شمال غربي – جنوب شرقي و هي ناتجة عن التقاء جبل «نوا (نوح)» بجبال «دالاهو».أشدّ الممرّات و عورةً و أهمّها في تلك الجبال هو مضيق «پاطاق».
إن فارق الارتفاع البالغ 1320 مترًا بين قمة ممر «پاطاق» و مدينة «سَرپلذهاب» ضمن مسافة قصيرة و صعبة العبور، قد منح المضيق و المرتفعات أهمية عسكرية خاصة. لقد كان الطريق الذي يعبر «پاطاق» منذ القدم مسرحاً لعبور المسافرين و البضائع، فضلاً عن القوات و العتاد العسكري و ذلك بين المراكز السكانية و المحاور الاقتصادية في سهول الهضبة الإيرانية و المراكز الواقعة في سهل بلاد ما بين النهرين.
في العصر الساساني، كان هذا الطريق هو صلة الوصل بين «تیسفون» و المدن المركزية في إيران. على جانب هذا الطريق التاريخي يقع «طاق گرا» أو «طاق شیرین» و هو بناء حجري ذو نقوش دقيقة تعود إلى العهدين «الاشکاني» و «الساساني».
تضمّ قرية «پاطاق» مزارين هما:«پنجهعلی» و «حضرت عباس «ع»»، كما تحتوي على بقايا بناء أثري يضمّ عدة غرف ما تزال بحالة جيدة نسبيًا و عدد من الأقبية المهدية الشكل (البرميلية)، باستخدام مواد و أساليب العمارة السائدة في العصر الساساني.
في العصر الصفوي، كان التحكم في «پاطاق» من أهم الأهداف العسكرية في حروب إيران و العثمانيين؛ إذ جعلت القوات العثمانية من «پاطاق» خطّ دفاعها الأول و أغلقت طريق التقدّم نحو بلاد ما بين النهرين. تمكن «نادر شاه» بعد معركة ضارية من الالتفاف حول ممر «پاطاق» و شن هجوماً من الخلف على الجيش العثماني و تم تحرير الممر. في حملة «محمدعلیمیرزا دولتشاه» خلال عهد «فتحعلیشاه قاجار» 1833-1871(1250–1212هـ.ش)،اكتسب «پاطاق» أهمية عسكرية أكبر و أصبح مقرّ القيادة للقوات الإيرانية.
في الحرب العالمية الأولى، بلغت الأهمية العسكرية لمضيق «پاطاق» و الطريق المؤدي إليه حدًّا جعل الطرفين يصفانه بأنه مفتاح السيطرة على بلاد ما بين النهرين. قد صمدت القوات الإيرانية في جبهة «پاطاق» أمام الروس صمودًا شديدًا، فاستهدف الروس الممرّ الذي كان بيد الإيرانيين بالمدفعية الثقيلة.
رغم أنّ القوات الإيرانية استطاعت عبر طريق مجهول، الوصول إلى خلف القوات الروسية في مضیق«پاطاق» فإن الروس في النهاية اخترقوا خط الدفاع الإيراني و نزلوا عبر الممرّ نحو بلاد ما بين النهرين، مما فتح الطريق أمام تعزيز القوات البريطانية و حدّد مسار النتيجة النهائية للحرب العالمية الأولى.
في الحرب العالمية الثانية، حيث كانت الأراضي الإيرانية أحد أهمّ طرق عبور الإمدادات العسكرية، نُفّذ الهجوم على «پاطاق» من جهته الغربية و هي الجهة الأكثر صعوبة من الناحية العسكرية.
في 25 أغسطس 1941(3 شهریور 1320هـ.ش) دخل «الفيلد مارشال ويليام سليم» البريطاني مع قواته إلى الأراضي الإيرانية و وصل إلى مضيق «پاطاق»، لكنه واجه مقاومة شديدة من الجيش الإيراني في نقطة حساسة من الممرّ، فتوقّف تقدّمه.مع ذلك، بقيت منطقة پاطاق تحت الاحتلال العسكري لقوات الحلفاء حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.[1]
يمتدّ من الحدود الإيرانية – العراقية طريق يصل إلى «كرمانشاه» و تحيط به مناطق جبلية، في المواضع التي تقترب فيها المرتفعات من الطريق، تتشكّل مضائق طبيعية كانت منذ العصور القديمة و حتى اليوم مواقع مثالية للدفاع و صدّ المهاجمين.يُعدّ «مضيق» پاطاق» الواقع على بُعد 50 كيلومترًا من الحدود من أهمّ مضائق هذه المنطقة؛ إذ تحيط به جبال شاهقة كالجدران، بحيث يستطيع عدد قليل من المقاتلين المتمركزين على ارتفاعاته إغلاق الطريق أمام قوات العدو.
كان مضيق «پاطاق» خلال الحرب المفروضة التی شنّها العراق علی إیران، المنطقة الحاسمة في الجبهة الوسطى الممتدة من «مهران» إلى «قصرشیرین» عند السفح الجنوبي للممرّ تقع محطة ضخّ «پاطاق» التي كانت تضخّ النفط من آبار «نفتشهر» إلى مصفاة المدينة، إلا أنّ هذه محطة الضخ كانت قد تعطّلت بسبب تخريب نفّذه القوى المناوئة للثورة قبل بدء الحرب المفروضة.[2]
قبل بدء الحرب، نفّذ الجيش العراقي اعتداءات متكررة في هذه المنطقة و في 6 سبتمبر 1980(15 شهریور 1359هـ.ش) احتلّ منطقة «خان لیلی» في «كرمانشاه» ثم بدأ هجومه الشامل في 22 سبتمبر1980(31 شهریور 1359هـ.ش).كان هدفه في هذا المحور السيطرة على المَضيق الاستراتيجي «پاطاق» لتثبيت مكاسبه العسكرية بالاعتماد على تضاريس و مواقعه الطبيعية.
لتحقيق هذا الهدف و الوصول إلى مضيق «پاطاق»، كان على الجيش العراقي احتلال منطقة واسعة تمتدّ من الحدود حتى المَضيق، لذلك أوكل هذه المهمة الواسعة و ذات الأهمية إلى الفرق النخبوية التابعة للفيلق الثاني الخاص به و بدأ هذا الفيلق هجومه على هذه الجبهة باستخدام الفرقتين 4 و8 مشاة و الفرقة 6 المدرعة.[3] في الوقت نفسه، هاجمت العناصر الموالية للنظام البعثي العراقي مخافر الدرک، في محيط ممر «پاطاق». كان العراق يخطّط لتهديد الممرّ من جهتين و احتلاله.[4]
بدأت الحرب بينما كانت القوات المتفرقة في الجبهة الداخلية، المؤلفة من لواء مشاة من الحرس الثوري، الدرك (الجندرمة)، التعبئة الشعبية (البسیج)، لواء ناقص مدرّع من «الفرقة 81 المدرعة» التابع للجیش في «كرمانشاه» و بعض فرق طيران الجيش(هوانیروز)، متمركزة في المنطقة. كانت هذه القوات قليلة جدًا مقارنةً بثلاث فرق عراقية مهاجمة للعدو، و الشيء الوحيد الذي كان يمكن أن يغير الوضع لصالح القوات الصديقة هو الاستفادة من القدرة الشعبية و الروح الثورية التي لم يكن العدو قد حسب لها أي حساب.[5]
كان الفيلق الثاني للجيش العراقي مكلّفًا بالتقدّم حتى مضيق «پاطاق» داخل عمق 50 كيلومترًا من الأراضي الإيرانية، بهدف تأمين أمن بغداد و دعم الجبهة الجنوبية و منع القوات الإيرانية من الاقتراب من هذا المحور الحيوي.
كان المحور الرئيسي لفتح مَضيق «پاطاق» هو محور «خانقین – قصرشیرین – سرپل ذهاب».قد دخلت «الفرقة 8 المشاة الميكانيكية» التابعة للجيش العراقي المنطقة بهدف السيطرة على مضيق «پاطاق» و ذلك عبر مضيق «باویسی» في شمال غربي «سرپل ذهاب» و شمال «دشت ذهاب».لم تواجه القوات العراقية في طريقها عقبات تُذكر، سوى مجموعات من المقاتلين الإيرانيين الذين كانوا يقاومون بشكل متفرّق وحدات الدروع العراقية.[6]
وجود وحدات من الجيش العراقي في «دشت ذهاب» و مرتفعات «گامیشان» من جهة و وجود القوی المناوئة للثورة في المنطقة من جهة أخرى، جعل مضيق «پاطاق» منطقة غير آمنة.بناءً على ذلك، تدخلت قوات الحرس الثوری، لتأمين المَضيق و تطهيره مع المرتفعات الشمالية المحيطة به.قد نُفّذت عملية «پاطاق – ریجاب» في 29 سبتمبر 1980(7 مهر 1359هـ.ش) على ثلاث مراحل:في المرحلة الأولى: تمّ تطهير شمال «پاطاق» حتى «ریجاب» من العناصر المناوئة للثورة، في المرحلة الثانية: شارك عدد أكبر من المقاتلين و تمّ تطهير مرتفعات «دالاهو».
و في المرحلة الثالثة، أُنشئت خطوط دفاعية في منطقتي «چناره» و «گاره»، مما وفّر الأمن الكامل في شمال «پاطاق». بذلك بقيت «پاطاق» و «سرپل ذهاب» بعيدتين عن نفوذ القوى المناوئة و اقتربت القوات الإيرانية من الخطوط الدفاعية العراقية، الأمر الذي خفّف من خطر تقدّم الجيش العراقي نحو المَضيق.[7]
مع الهجوم الواسع الجديد الذي شنّه الجيش العراقي على محافظة «خوزستان» في نهاية الحرب المفروضة، قامت جماعة «منافقین» بدعم من الجيش العراقي، بعبور «سرپل ذهاب» و اجتياز مَضيق «پاطاق» وصولًا إلى «إسلامآباد».في المقابل و بفضل نجاح عملية «مرصاد» و نقل القوات جوًا بواسطة مروحيات طیران الجو «هوانیروز» إلى محيط ممرّ «پاطاق» اضطرت عناصر «منافقین» إلى الانسحاب السريع من الممرّ.
رغم أنّ «پاطاق» لم تُحتَل من قِبل العدو خلال الحرب المفروضة، فإنها تعرّضت مرات عديدة للقصف الجوي و المدفعي من قبل العدو إبّان فترة الحرب و تكبّدت أضرارًا كبيرة، حتى لُقّبت بـ«بوابة الشهادة».[8]
تجري حاليًا مشاريع توسيع الطريق و شقّ نفق في محور «إسلامآباد غرب – سرپل ذهاب» ضمن نطاق ممرّ «پاطاق» نظرًا لأهمية هذا الطريق في:حركة زوّار العتبات خلال أربعين الإمام الحسين «ع»، التنمية الاقتصادية للمنطقة، نقل البضائع (الترانزیت) و تنمیة السياحة.[9]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منابع و ارجاعات:
- [1] پورجباری، پژمان، اطلس جغرافیای حماسی – کرمانشاه در جنگ (أطلس الجغرافیا الملحمیة – «كرمانشاه» في الحرب)، مجلد 3، طهران، مؤسسة حفظ آثار و نشر قیم الدفاع المقدس، 2013م(1392هـ.ش)، ص 104–106.
- [2] شیرعلینیا، جعفر و محمدجواد اکبرپور، ارتفاع سخت-روایت قصرشیرین، سرپلذهاب و گیلانغرب (الارتفاع الصعب – روایة «قصرشیرین»، «سرپل ذهاب» و «گیلانغرب»)، طهران، دار النشر: «فاتحان»، 2012م(1391هـ.ش)، ص 49–50.
- [3] دری، حسن، اطلس راهنما – کرمانشاه در جنگ (الأطلس الإرشادي – «كرمانشاه» في الحرب)، ج 7، طهران، مركز الدراسات و بحوث الحرب التابع للحرس)، 2005م(1384هـ.ش)، ص 82.
- [4] پورجباری، پژمان، المصدر نفسه، ص 106.
- [5] دری، حسن، المصدر نفسه، ص 82.
- [6] کرمی، علی، روز نهم – خاطرات اولین اعزام رزمندگان استان البرز به جبهههای سرپلذهاب (الیوم التاسع – ذكریات أول إیفاد لمقاتلي محافظة «البرز» إلى جبهات «سرپل ذهاب»)، كرج، دار النشر:«حنظلة»، 2016م(1395هـ.ش)، ص 11–12.
- [7] دری، حسن، المصدر نفسه، ص 90.
- [8] پورجباری، پژمان، المصدر نفسه، ص 106.
- [9] موقع «تیننیوز»،https://www.tinn.ir/%D8%A8%D8%AE%D8%B4-%DA%A9%D8%B1%D9%