المسجد الجامع في خرمشهر
يقع المسجد الجامع في مركز مدينة «خرمشهر» و هو رمز مقاومة سكان «خرمشهر» و «إيران» في مواجهة العدو خلال الحرب المفروضة.يقع المسجد في القسم المركزي من المدينة، بين شارع «آيتالله خامنهای» (المعروف بـ «چهلمتری») و نهر «كارون» و على زاوية شارع «انقلاب».[1]أُنشئ المسجد سنة 1871(1250هـ.ش) على يد مجموعة من تجّار المدينة و وجهائها و مع مرور الزمن أصبح مكانًا لالتقاء الأهالي و تجمّعاتهم.[2]كان المسجد يُعرف في البداية باسم مسجد «لب شاخه»، في سنة 1969م(1348هـ.ش) أُعيد بناؤه بعد إضافة قطعة أرض من الجهة الغربية.
تبلغ مساحة المسجد 1028 متراً مربعاً من البنية التحتية و له واجهة من الطوب و يضم حوالي ألف متر مربع من القاشاني المزيَّن بالآيات القرآنية على ألواح خزفية و 770 متراً مربعاً من القاشاني المعرَّق. كما يحتوي على مئذنتين يبلغ ارتفاع كل منهما 28 متراً عن سطح الأرض، إضافةً إلى قبَّتين؛ إحداهما كبيرة و الأخرى صغيرة.بعد إعادة إعمار المسجد الجامع، أصبح في عهد «البهلوي» مركزاً للأنشطة السياسية ضدّ الحكومة[3] و تعرّض للهجوم عدة مرات من قبل قوات « البهلوي»؛ و في هذه الهجمات، خصوصاً في 12 نوفمبر و 3 يناير 1979(21 آبان و 13 دی 1357هـ.ش)، أُصيب و استشهد عدة أشخاص.[4]
بعد انتصار الثورة الإسلامية، أصبح المسجد الجامع في «خرمشهر» مكان مرور لعدد من الشخصيات الثورية الذين كانوا يأتون إلى هذه المدينة إثر فتنة «خلق عرب» الساعية إلى تجزئة «خوزستان»[5] و من الأحداث المهمة بعد انتصار الثورة الإسلامية، اعتصام أهالي المدينة في المسجد الجامع في 30 مايو 1979(9 خرداد 1358هـ.ش) ردّاً على استشهاد أحد الحراس على يد منظمة «خلق عرب» الانفصالية، والذي صاحبه هجوم هذه الجماعة على المدنيين بالرصاص و قنابل مولوتوف.[6]
تعرّض المسجد خلال تلك الفترة لعدة هجمات إرهابية أخرى.ففي 15 یولیو 1979(24 تیر 1358ه.ش) خلال تجمّع شعبي دعمًا للجمهورية الإسلامية، أُطلقت قنبلة يدوية على ساحة المسجد، ما أدى إلى استشهاد 7 أشخاص و إصابة 60 آخرين.[7]في سبتمبر1979م(شهریور 1358) فجّر أحد عناصر الجماعات المناوئة للثورة جزءًا من المسجد بعد أن تلقّى 100 ألف تومان مقابل تنفيذ العملية.[8]
مع اندلاع الحرب المفروضة و خروج كثير من الأهالي و القوى الحكومية من «خرمشهر» تحوّل المسجد الجامع إلى مركز القيادة و إسناد لمدافعي المدينة. في تلك المرحلة كان المسجد مستشفى، موقعًا عسكريًا و مركز لدعم المدافعين عن «خرمشهر» في آنٍ واحد. و لم يقتصر الأمر على المدنيين، بل كان المقاتلون أيضًا يُجهَّزون فيه و يستعيدون قواهم في المسجد.[9] من أبرز ملامح المقاومة التي استمرّت 34 يومًا في «خرمشهر» بقيادة المسجد الجامع، الحضورُ اللافت للنساء و الفتيات، إذ شاركن في أعمال التنظيف و الطهي، دفن الشهداء، استقطاب المقاتلين و إيصالهم مع الذخائر إلى خطوط المواجهة، تقديم الخدمات العلاجية و غير ذلك من المهام، ضمن صفوف المدافعين عن المدينة.[10]
ظلّ المسجد الجامع صامدًا حتى اللحظات الأخيرة من مقاومة «خرمشهر» و مع اشتداد طوق الحصار الذي فرضه العدو، قاتل المدافعون حوله و تمكّنوا من إيقاف تقدّم العدو و أخيرًا، في 26 أكتوبر 1980م (4 آبان 1359هـ.ش)، غادرت آخر مجموعة من المدافعين المسجد الجامع باتجاه «آبادان» فسقطت «خرمشهر» فعليًا.[11]خلال فترة الاحتلال التي استمرّت 19 شهرًا، بقي المسجد الجامع نصفَ سالم، غير أنّ جزءًا من قبّته و مآذنه تعرّض للتدمير.
بحسب شهود عيان، ففي يوم تحرير «خرمشهر» كانت ساحة المسجد مليئة بالتراب و الأنقاض، فقام المقاتلون بإخراجها إلى خارج المسجد و غسلوا ساحته بمياه نهر« كارون» و تهيّؤوا لإقامة صلاة الجماعة بإمامة «آية الله جمي»(إمام جمعة «آبادان»).[12]بعد تحرير «خرمشهر» ظهرت صورة ابتهاج المقاتلين في المسجد الجامع في «خرمشهر» مرفقة بعبارة «تحرير خرمشهر» على ورقة نقدية من فئة 2000 ريال».[13]
بعد أيام قليلة من تحرير «خرمشهر» نُفِّذت لوحة جدارية بمساحة 45 مترًا مربعًا، مؤلّفة من خمس قطع كل منها بطول 9 أمتار و بأبعاد 3×3 أمتار، باستخدام تقنية الدهان الزيتي على الجدار الإسمنتي للمسجد الجامع في «خرمشهر» و قد أنجزها «ناصر پلنگی».
استغرق إنجاز هذا العمل خمسة أشهر و صُوِّرت فيه الصفاء و الإيثار و تضحيات جنود الوطن و عائلاتهم خلال فترة الأسر و تحرير «خرمشهر».كما خُلِّدت في هذا العمل ذكرى المقاتلين الذين استشهدوا في اليوم التالي لتحرير «خرمشهر» على بُعد 30 مترًا فقط من من هذا الموقع.[14]
بحسب ما قاله قائد الثورة الإسلامي:«المسجد الجامع، كان القاعدة الأساسية، كان المقرّ الرئيسي، كان هو الموجّه و الداعم…».[15]
بعد انتهاء الحرب المفروضة، أُعيد ترميم المسجد الجامع في «خرمشهر» و منذ أوائل عقد 2000 (1380 هـ.ش) و مع انطلاق نشاط قوافل «راهيان نور» أصبح المسجد واحدًا من معالم الدفاع المقدس و يزوره سنويًا المشاركون في هذه القوافل.[16]في سنة 2007م(1386هـ.ش)، سُجّل المسجد الجامع في «خرمشهر» كأول أثر وطني مرتبط بالدفاع المقدس.[17]
و من الأعمال البصرية التي تناولت المسجد الجامع في «خرمشهر»، الفيلم الوثائقي القصصي «عروس خوزستان».
منابع و ارجاعات:
- [1] پورجباری، پژمان، اطلس جغرافیای حماسی – خوزستان در جنگ (الأطلس الجغرافي الملحمي – «خوزستان» في الحرب)، مجلد 1، طهران، دارالنشر:«صریر» 2010م(1389هـ.ش)، ص 35.
- [2] محمدی، علیرضا، همه خرمشهر مسجد جامع بود (كانت «خرمشهر» كلّها المسجد الجامع)، صحیفة «جوان»، العدد 5935، السبت 23 مايو 2020(3 خرداد 1399ه.ش)، ص 7.
- [3] بناء، حمید،قراءة في ما جرى على المسجد الجامع في خرمشهر: مقرّ الدفاع الشعبي عن المدینة، صحیفة «جامجم» العدد 6495، الأربعاء 24 مايو 2023(3 خرداد 1402ه.ش)، ص 14؛ المسجد الجامع في «خرمشهر»، رمز المقاومة و التحرر: https://www.masjed.ir/u/573
- [4] مركز الدراسات و بحوث لمؤسسة الشهيد و شؤون المضحين، معجم أعلام الشهداء – محافظة «خوزستان»، مجلد 1، طهران، نشر شاهد، 2016م(1395هـ.ش)، ص 672.
- [5] آذری شهرضایی، رضا،(قراءة في ظهور و سقوط ظاهرة «خلق عرب» 1978–1979)»، فصلیة «گفتگو»، العدد 25، خریف 1999م(1378هـ.ش)، ص 67–68؛ صحیفة «جوان»، (كانت «خرمشهر» كلّها المسجد الجامع)، نظرة على الدور التاريخي للمسجد الجامع في خرمشهر خلال ملحمة هذه المدينة، في حوار للشباب مع عدد من مقاتلي و مدافعي الحرب المقدسة، السبت 23 مايو 2020 (3 خرداد 1399ه.ش)، العدد 5935، ص 7.
- [6] بناء، حمید، المصدر نفسه.
- [7] صحیفة «اطلاعات»،إعدام خمسة من منفّذي مجزرة المسجد الجامع في «خرمشهر»، العدد 15905، الاثنین 16 يوليو 1979(25 تیر 1358ه.ش)، ص 3.
- [8] صحیفة «کیهان»، (تلقيتُ مئة ألف تومان لتفجير المسجد الجامع في خرمشهر)، العدد 10794، الأربعاء 29 أغسطس 1979(7شهریور 1358ه.ش)، ص 2.
- [9] محمدی، علیرضا،(كانت «خرمشهر» كلّها المسجد الجامع)، صحیفة «جوان»،العدد 5935، السبت 23 مايو 2020(3 خرداد 1399ه.ش)، ص 7.
- [10] رحیمی، مصطفی، تأملی بر نقش زنان در مقاومت 34 روزه خرمشهر -بخش اول تأملات حول دور النساء في مقاومة «خرمشهر» لمدّة 34 یوماً – الجزء الأول)، صحیفة «اطلاعات»، الأربعاء 12 يوليو 2006م(21 تیر 1385ه.ش)، العدد 23674، ص 7.
- [11] محمدی، علیرضا، المصدر نفسه.
- [12] المصدر نفسه.
- [13] بناء، حمید، المصدر نفسه.
- [14] شریفی مهرجردی، علیاکبر؛ حسنعلی پورمند، حسنعلی، رویکردی به نقاشی دیواری مسجد جامع خرمشهر به شیوه نقد تکوینی (مقاربة نقدية للبنية التكوينية للرسم الجداري للمسجد الجامع في «خرمشهر»)، فصلية «رسائل الفنون البصرية و التطبيقية»، العدد 9، ربیع و صیف 2012م(1391هـ.ش)، ص 39.
- [15] مكتب حفظ و نشر آثار سماحة «آیة الله الخامنئي»،«رواية آیة الله الخامنئي لأبعاد قضية «تحرير خرمشهر»؛ مفتاح معادلة الفتح»، https://khl.ink/f/52911.
- [16] بناء، حمید، المصدر نفسه.
- [17] وكالة أنباء إیسنا، https://www.isna.ir/news/8512-10852/%D9%85%D8%B3%D8%AC%D8%AF-%D8%AC% 5% .