ألمانيا
اتبعت «ألمانيا» خلال «الحرب المفروضة» بين العراق و إيران سياسةً ظاهرها الحياد، لكنها كانت في الواقع من أبرز المزوّدين للعراق بالتكنولوجيا و المعدات العسكرية و المواد الكيميائية.
تقع «جمهورية ألمانيا الاتحادية» في قارة أوروبا و تبلغ مساحتها 357,022 كيلومترًا مربعًا و تشترك في حدودها مع «بلجيكا»، «هولندا»، «الدنمارك»، «فرنسا»، «لوكسمبورغ»، «سويسرا»، «النمسا»، «التشيك» و «بولندا».[1]
رغم وجود محاولات في عهد الدولة «الصفوية» لإقامة علاقة مع ألمانيا، فإنّ العلاقات الرسمية بين إيران و «ألمانيا (بروسيا)» تشكّلت في عهد «ناصر الدين شاه القاجاري». في هذه الفترة و مع تزايد نفوذ روسيا و بريطانيا و تدخّلاتهما في إيران، طُرحت فكرةُ الاستفادة من «ألمانيا» بوصفها القوة الثالثة لمواجهة هاتين القوتین.[2]
في عام 1885م قررت إيران و ألمانيا إقامة علاقات سياسية و فتح سفارتين في عاصمتيهما.[3]مع وصول «رضا شاه» إلى الحكم و اتباعه سياسة الميل نحو «القوة الثالثة»، عادت العلاقات مع ألمانيا إلى الواجهة.[4]
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، توسّعت العلاقات بين البلدين و أصبحت ألمانيا تحتل المرتبة الأولى في الاستثمارات الخاصة داخل إيران.[5] في هذا السياق، وقّعت ألمانيا عام 1974م(1353هـ.ش) عقدًا لبناء محطتين نوويتين في «بوشهر».[6]بعد انتصار الثورة الإسلامية و احتلال السفارة الأمريكية في «طهران»، حافظت «ألمانيا» على علاقاتها الدبلوماسية مع إيران.[7]
مع بداية الحرب المفروضة، بين 1980 و 1982(1358 و 1360ه.ش) امتنعت ألمانيا عن تنفيذ التزاماتها السابقة المتعلقة ببيع الغواصات و المشاركة في بناء مفاعل «بوشهر» النووي، دون أن تُظهر خلافًا سياسيًا مباشرًا مع إيران؛ في المقابل، ارتفع حجم التعاون الاقتصادي بين ألمانيا و العراق بنسبة 20٪.
في بداية الحرب، كان التعاون العسكري الألماني مع العراق محدودًا و تدريجيًا، مع ذلك زوّدت ألمانيا، إيران ببعض احتياجاتها، مثل مقطورات نقل الدبابات، بالتوازي مع تعاونه مع العراق.[8]
كما باعت لإيران 1570 بندقية «G-3» في السنة الأولى للحرب 1980م(1359هـ.ش) 13,570 بندقية في السنة الثانية 1981م(1360هـ.ش).[9]
منذ عام 1982م(1361هـ.ش) و بعد تحرير «خرمشهر» و بروز آفاق الانتصارات الإيرانية، اقتربت سياسات الدول الأوروبية من الموقف الأمريكي و تغيّر حيادها المعلن. في هذه المرحلة، أصبحت «ألمانيا» من المزوّدين الرئيسيين للعراق بالأسلحة التكتيكية. فعلى سبيل المثال، باعت ألمانيا، للعراق 300 دبابة «ليوبارد‑2».[10]
شملت المساعدات الألمانية للعراق، تدريب الأطباء العسكريين العراقيين، بناء و تسليم عدة مستشفيات عسكرية في بغداد، بيع 60 مروحية من طراز «BO‑105» المزوّدة بصواريخ مضادّة للدبابات من نوع «HOT» عبر «إسبانيا».[11]كما باعت ألمانيا للعراق أسلحة مضادّة للطائرات بقيمة 4 مليارات دولار.[12]
جاءت هذه المساعدات في وقت كانت فيه إيران قد أصبحت أكبر شريك تجاري لألمانيا في غرب آسيا،[13] إذ بلغت واردات إيران من ألمانيا في عام 1983م(1361ه.ش) نحو 7.7 مليارات مارك.[14]
في يوليو 1984م(تیر 1363هـ.ش) زار «هانس ديترش غنشر»، وزير الخارجية الألماني، إيران و كانت هذه أول زيارة يقوم بها وزير خارجية من دول السوق الأوروبية المشتركة، إلى إيران بعد الثورة الإسلامي. بعد هذه الزيارة، وصل وفد برلماني ألماني إلى إيران في 26 أغسطس 1984(4 شهریور1363 هـ.ش).[15]
بلغ التعاون العسكري بين ألمانيا و العراق ذروته في عام 1986.فبعد ثبوت عدم فاعلية الاستراتيجية الدفاعية العراقية نتيجة سقوط «الفاو» و استعادة القوات الإيرانية لمدينة «مهران» بسرعة، اتفق المحللون العسكريون في الشرق و الغرب على أنّ العراق سيواجه هزائم أكبر،إذا ما لم يغيّر استراتيجيته الدفاعية.في هذه الظروف، وُضع البيع الشامل للأسلحة للعراق على جدول أعمال ألمانيا.[16] فباعت له أنظمة مدفعية قصيرة المدى، صواريخ أرض–جو قصيرة المدى، ألغامًا حربية، مروحيات و أنظمة مضادّة للدبابات.[17]
كان من دوافع «ألمانيا» في التعاون مع العراق أيضًا توسيع التعاون العسكري و الاستراتيجي مع الدول العربية الأخرى في الخليج الفارسي.[18] التكنولوجيا الألمانية في مجال إنتاج الأسلحة الكيميائية و الصاروخية مُنحت للعراق أكثر من الأسلحة الأخرى.بلغت قيمة التكنولوجيا الألمانية المقدّمة للعراق في عام 1987م(1366هـ.ش) نحو 374.8 مليون دولار و في عام 1988(1367هـ.ش) نحو 826.8 مليون دولار.[19]
مكّنت هذه التكنولوجيا العراق من البدء تدريجيًا في إنتاج أجزاء صواريخ «سكاد» و هياكلها. فيما بعد، عثر مفتشو الأمم المتحدة على خزانات خلط الأكسجين، أنظمة تسجيل الضغط و هياكل منصّات الإطلاق الخاصة بالصواريخ العراقية و كانت جميعها مصنوعة في ألمانيا.[20]
إضافة إلى ذلك، دفع الدافع الربحي العديد من الشركات الألمانية إلى تقديم مساعدات واسعة للعراق في إنتاج الأسلحة الكيميائية.
كانت الحكومة العراقية قد بدأت منذ الأيام الأولى للحرب برنامجًا لإنتاج الأسلحة الكيميائية، تسارع هذا البرنامج في صيف 1982م(1361هـ.ش) بالتزامن مع دخول القوات الإيرانية إلى الأراضي العراقية. بحلول خريف 1983م(1362هـ.ش) أصبح الجيش العراقي يمتلك مخزونًا ضخمًا من غاز «الخردل» (العامل المسبّب للبثور) و عوامل الأعصاب.قد حصل العراق، عبر شركة «پيلوت پلانت» الألمانية و ثلاث شركات أخرى، على التكنولوجيا و المواد اللازمة لبناء مجمع كيميائي لإنتاج المبيدات.[21]
حصل العراق كذلك على جزء من المواد الكيميائية التي كان يحتاجها عبر شركة الهندسة التجارية«AB GmbH» في «هامبورغ». فقد باعت هذه الشركة للعراق معدات بقيمة 11 مليون دولار و عدّة أطنان من المواد الكيميائية، من بينها «ثلاثي كلوريد» الذي يُعدّ مادةً أساسية لإنتاج غازات الأعصاب.
بين عامي 1982 و 1990(1361–1369هـ.ش) تولّت 68 شركة ألمانية تزويد العراق بالمعدات و تنفيذ البنى التحتية لبرنامجه العسكري.[22]في سبتمبر 1983(شهریور–مهر1362هـ.ش) و بمساعدة الشركات الألمانية،[23] أنشأ العراق مجمع مصانع لإنتاج المواد الكيميائية في «سامراء» و بدأ إنتاج غاز «الخردل» فيه في ديسمبر 1983(آذر 1362 هـ.ش). قد استُخدم هذا الغاز لأول مرة على نطاق واسع ضد القوات الإيرانية في عملية «خيبر» في مارس 1984م(اسفند 1362 هـ.ش).
في منتصف عام 1983(1361ه.ش) أنهى العراق بناء مصانع لإنتاج المبيدات في «سامراء» و «سلمان باك» (مدينة جنوب بغداد) و شاركت 10 شركات ألمانية في إنشائها.[24]
كانت إحدى الشركات الألمانية ذات الدور البارز في هذا المجال هي شركة «تجارت آب»، التي زوّدت العراق بـ 58 طنًا من المواد الأولية لإنتاج غاز «تابون» الكيميائي.
كما وفّرت هذه الشركة في عام 1986م(1364ه.ش) آلات و معدات لتركيب و تشغيل منشآت إنتاج الغازات السامة في «الفلوجة»، إضافة إلى مركزين آخرين لإنتاج الأسلحة الكيميائية في «سلمان باك» و «سامراء».[25]
قد أثارت مجزرة «حلبچة» التي ارتكبها الجيش العراقي ضدّ مواطنيه في عام 1987م(1365ه.ش) موجةً واسعة من الاحتجاجات داخل ألمانيا و على المستوى الدولي و أدّى الضغط الداخلي في ألمانيا إلى تغييرات تكتيكية في سياستها الخارجية، فبدأت ألمانيا منذ أوائل 1988م(1366ه.ش) تُظهر سعيًا للعب دور الوسيط. في الأشهر الأخيرة من الحرب، بذلت ألمانيا جهودًا كبيرة لدفع إيران و العراق إلى قبول «القرار 598» الصادر عن مجلس الأمن.[26]و كانت إيران تنقل مواقفها إلى مجلس الأمن عبر ممثل ألمانيا.[27]
الحكومة الألمانية، في هذه الفترة و على الرغم من محاولاتها لإنهاء الحرب و تسهيل قبول القرار من قبل طرفي النزاع، كانت تسعى للحفاظ على حيادها الظاهري في الحرب.
قد اقترح «هانس شتركن»، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الألماني، إحالة مسألة تحديد الطرف الذي بدأ حرب الخليج الفارسی إلى محكمة العدل الدولية، في «لاهاي» و طلب من إيران متابعة إدانة العراق بوصفه المعتدي عبر المسارات القانونية لتسريع بدء مفاوضات السلام.[28] في النهاية، قبلت إيران «القرار 598» في يوليو 1988(تیر 1367هـ.ش).[29]
بعد الحرب المفروضة، أثّرت فتوى قتل «سلمان رشدي» من قبل «الإمام الخميني» و اتهام ألمانيا لإيران في قضية محكمة «ميكونوس» في ألمانيا على العلاقات السياسية بين البلدين حتى منتصف التسعينيات، رغم أنّ ذلك لم يترك أثرًا كبيرًا على العلاقات الاقتصادية.
مع سعي «إيران» لتعزيز علاقاتها مع أوروبا من جهة و رغبة «ألمانيا» في توسيع حضورها الدولي من جهة أخرى، شهدت العلاقات بين البلدين تحسّنًا خلال عقدي 1990 و 2000(1370 و 1380ه.ش).
منذ عام 2003(1381ه.ش) و مع اتهامات الغرب لإيران بالاستخدام السلمي للطاقة النووية، خلقت ألمانيا، إلى جانب الدول الغربية الأخرى، مشاكل لإيران.[30]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منابع و ارجاعات:
- [1] برازش، محمودرضا، آشنایی با آلمان (التعرّف على آلمان)، مشهد، دار النشر: «آفتاب 1»، الطبعة الثامنة،2011م(1390ه.ش)، ص 8.
- [2] رفیع، حسین و مجید عباسزاده مرزبالی، «بررسی روابط ایران و آلمان از آغاز دوره پهلوی تا پایان جنگ جهانی دوم 1324–1304» (دراسة العلاقات بين إيران و ألمانيا منذ بداية العهد البهلوي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية 1925-1945)، فصلية الدراسات التاريخية، العدد 63، شتاء 2018م(1397ه.ش) ص 131.
- [3] المصدر نفسه، ص 132.
- [4] المصدر نفسه، ص 133.
- [5] ازغندی، علیرضا، روابط خارجی ایران 1357–1320(العلاقات الخارجية لإيران 1941–1979)، تهران، دار النشر: «قومس»، الطبعة التاسعة،2009(1388ه.ش)، ص 421–422.
- [6] المصدر نفسه، ص 423–424.
- [7] برازش، محمودرضا، المصدر نفسه، ص 87.
- [8] اردستانی، حجر و سیدمسعود موسوی شفایی، نقش آلمان و انگلیس در طولانی شدن جنگ تحمیلی عراق علیه ایران (دور ألمانيا و بريطانيا في إطالة أمد الحرب المفروضة للعراق على إيران)، تهران، دار النشر:«مرز و بوم»،2023م(1402ه.ش)، ص 114–116.
- [9] نورایی، منوچهر، آماد و پشتیبانی نیروی زمینی ارتش در دفاع مقدس (الإمداد و الدعم اللوجستي للقوات البرية للجيش في الدفاع المقدّس)، تهران، دار النشر:«سرو»،2023م(1402ه.ش)، ص 135.
- [10] اردستانی، حجر و سیدمسعود موسوی شفایی، المصدر نفسه، ص 115.
- [11] المصدر نفسه، ص 120.
- [12] المصدر نفسه، ص 119.
- [13] المصدر نفسه، ص 116.
- [14] یزدانفام، محمود، روزشمار جنگ ایران و عراق – آغاز جنگ نفتکشها (يوميات حرب الإيرانیة و العراقیة – بداية حرب ناقلات النفط)، مجلد 31، تهران، مركز الوثائق و بحوث الدفاع المقدّس،2018م(1397ه.ش)، ص 46.
- [15] نعمتی وروجنی، یعقوب و حجتالله کریمی، روزشمار جنگ ایران و عراق-رکود در جبهه، تحرک در دیپلماسی (يوميات حرب الإيرانیة و العراقیة – الركود في الجبهة و الحراك في الدبلوماسية)، مجلد 32، تهران،مركز الوثائق و بحوث الدفاع المقدّس،2019م(1398ه.ش) ص 37–38.
- [16] اردستانی، حجر و سیدمسعود موسوی شفایی، المصدر نفسه، ص 118.
- [17] المصدر نفسه، ص 119.
- [18] المصدر نفسه.
- [19] المصدر نفسه، ص 123.
- [20] المصدر نفسه، ص 120.
- [21] المصدر نفسه، ص 123.
- [22] المصدر نفسه، ص 124.
- [23] المصدر نفسه، ص 126.
- [24] المصدر نفسه، ص 127.
- [25] المصدر نفسه، ص 125.
- [26] المصدر نفسه، ص 132–133.
- [27] موقع «عصر إيران»، ملف حول 30 عامًا من السياسة الداخلية و الخارجية، https://www.asriran.com/fa/news/110206
- [28] اردستانی، حجر و سیدمسعود موسوی شفایی، المصدر نفسه، ص 133.
- [29] صحيفة «اطلاعات»، 19 يوليو 1988(28 تیر 1367ه.ش)، العدد 18517، ص 1.
- [30] تقریر معاونة البحوث السياسية و القانونية، مكتب الدراسات السياسية «العلاقات بين إيران و ألمانيا: نظرة إلى المستقبل»،مركز بحوث مجلس الشورى الإسلامي، الرمز الموضوعي لتقریر 260، الرقم التسلسلي: 14753، طهران،مارس2016م(اسفند 1394هـ.ش.)، ص 2.