بغداد

كانت بغداد، عاصمة العراق، من أبرز أهداف العمليات النفسية و الهجمات الجوية و الصاروخية الإيرانية خلال الحرب المفروضة و نظراً إلى احتوائها على منشآت و مراكز عسكرية و اقتصادية حساسة، فقد تعرضت لهجمات متكررة.

بغداد هي عاصمة العراق و أكبر مدنه و تقع في وسط البلاد على ضفاف نهر «دجلة».⁠[1]و يزيد عدد سكانها على 7 ملايين و500 ألف نسمة، ما جعلها ثالث أكبر مدينة من حيث عدد السكان في العالم العربي.⁠[2]كما تحتضن بغداد مرقدَي إمامين من أئمة الشيعة، هما الإمام موسى الكاظم (ع) و الإمام محمد الجواد (ع)، إضافة إلى مدافن عدد من كبار الشخصيات الشيعية ومن بينهم «سلمان الفارسي».⁠[3]

بعد وصول العباسيين إلى الحكم في القرن الثاني الهجري و نقل مركز الخلافة من بلاد الشام إلى العراق، قرر «أبو جعفر المنصور» ثاني خلفاء بني العباس، إنشاء عاصمة جديدة في «بغداد». و بدأ بناء بغداد سنة 145هـ، واكتمل سنة 149هـ. في سنة 656هـ، هاجم المغول بغداد و قتلوا أعداداً كبيرة من سكانها. كما هاجم «تيمورلنك» بغداد مرتين، في عامي 795هـ و803هـ و في هجومه الثاني قتل أعداداً كبيرة من سكانها و ألحق بها دماراً واسعاً و خسائر فادحة.

في سنة 914هـ، استولى «الشاه إسماعيل الصفوي» على بغداد، و بدأت إثر ذلك مرحلة من الصراع بين الصفويين و العثمانيين للسيطرة على المدينة. بعد انهيار الدولة العثمانية و انتهاء الحرب العالمية الأولى، استولت القوات البريطانية على بغداد عام 1917م.⁠[4]أصبح العراق عام 1920م تحت انتداب عصبة الأمم و خضع للسيطرة البريطانية تحت مسمى «ولاية العراق».⁠[5]و بعد إقرار الدستور العراقي عام 1925م، أصبحت بغداد عاصمة البلاد،⁠[6]ثم حصل العراق على استقلاله عام 1932م.⁠[7]في أعقاب هذه التطورات، اتسعت مدينة بغداد و مع تشكل الجمهورية العراقية إثر انقلاب «عبد الكريم قاسم» عام 1958م، نشأت مناطق سكنية جديدة في محيط بغداد.⁠[8]

في 1 أبريل 1980م (12 فروردين 1359هـ. ش)، أُصيب «طارق عزيز»، عضو مجلس قيادة الثورة العراقي و نائب رئيس الوزراء، بجروح و قُتل عدد من الطلبة، إثر إلقاء قنبلة باتجاهه في الجامعة «المستنصرية» ببغداد. في اليوم التالي، توجه «صدام حسين» إلى الجامعة المستنصرية و أقسم بأنه سينتقم. أُعلن لاحقاً أن منفذ لعملية إلقاء القنبلة، كان أحد أعضاء حزب الدعوة العراقي و نتيجة لذلك اعتُقل عدد من قادة الحزب، من بينهم «آية الله السيد محمد باقر الصدر» و شقيقته «بنت الهدى»، في 5 أبريل 1980م (16 فروردين 1359هـ. ش) وأُعدما بعد ثلاثة أيام، في 8 أبريل 1980م (19 فروردين 1359هـ. ش). أدت هذه الأحداث إلى مزيد من التوتر و التدهور في العلاقات بين البلدين.⁠[9]

تقع بغداد، عاصمة العراق، على مسافة تقل عن 180 كيلومتراً من حدود محافظة «كرمانشاه»⁠[10] و مع اندلاع الحرب المفروضة، كُلّف الفيلق الثاني في الجيش العراقي بالتقدم من حدود محافظة «كرمانشاه» حتى مضيق «پاتاق» بعمق 50 كيلومتراً داخل الأراضي الإيرانية، بهدف دعم جبهة الجنوب من جهة و تأمين بغداد من جهة أخرى و الحيلولة دون بقاء القوات الإيرانية في هذه المنطقة.⁠[11]

مع ذلك و على الرغم من حشد أعداد كبيرة من القوات في هذه المنطقة، لم يتمكن العراق من تحقيق هدفه الأهم، المتمثل في السيطرة على منطقة «پاتاق» و مرتفعاتها.⁠[12]بسبب عدم توافر المعدات المدرعة اللازمة، إلى جانب التفوق الجوي النسبي للعراق، لم يكن شن هجوم إيراني مباشر باتجاه بغداد ممكناً خلال الحرب المفروضة.⁠[13]مع اندلاع الحرب المفروضة، أُدرجت المنشآت العسكرية في بغداد ضمن قائمة أهداف القوات الجوية الإيرانية. ففي 23سبتمبر1980 (1 مهر 1359هـ. ش) قصفت 12 طائرة مقاتلة من طراز «فانتوم» تابعة للقاعدة الجوية المقاتلة الأولى في «مهرآباد»، قاعدة «الرشيد» الجوية وعدداً من الأهداف العسكرية في بغداد.⁠[14]و في 30سبتمبر1980م (8 مهر 1359هـ. ش) قصفت ثلاث طائرات «فانتوم» تابعة للقاعدة الجوية المقاتلة الثالثة مصفاة «الدورة» في بغداد.⁠[15]في اليوم نفسه، استُهدفت أيضاً محطة «أوسيراك» النووية الواقعة بالقرب من بغداد.⁠[16]

جرت هذه العمليات في وقت كانت فيه بغداد مركز المنطقة الأولى للدفاع الجوي العراقي و كانت مجهزة بمختلف منظومات الدفاع الجوي الروسية و منها صواريخ «سام-2»، «سام-3»، «سام-6» و «سام-7»، إضافة إلى صواريخ فرنسية دقيقة كانت قد نُصبت أيضاً فوق أسطح المباني المرتفعة، فضلاً عن أنواع مختلفة من الطائرات المقاتلة التي كانت تقوم على مدار الساعة بدوريات و عمليات استطلاع لمواجهة الطائرات الإيرانية.

إضافة إلى ذلك، نُصبت أبراج كهرباء ذات جهد عالٍ عند مداخل بغداد، بحيث تضطر جميع الطائرات إلى التحليق على ارتفاعات أعلى، فتقع في مرمى رادارات الطائرات العراقية والطائرات التي كانت تتربص بها.⁠[17]على الرغم من جميع هذه الإجراءات و التدابير، تمكنت الطائرات الإيرانية في 22 أكتوبر 1980 (30 مهر 1359هـ. ش) من تصوير مركز المدينة و منشآتها المهمة، منها قصر «صدام»، مجلس النواب، وزارة الداخلية و جسور بغداد⁠[18] و نُشرت هذه الصور في 22سبتمبر1981م (31 شهريور 1360هـ. ش) في صحيفة «اطلاعات»، في إطار خطوة دعائية.⁠[19]

قبل اندلاع الحرب مع إيران، كان «صدام حسين» قد حصل، خلال اجتماع حركة دول عدم الانحياز في «هافانا» على حق استضافة العراق لاجتماع الحركة في صيف عام1982 (1361هـ. ش) و ظلت وزارة الخارجية الإيرانية فترة طويلة تبذل جهوداً لإلغاء عقد الاجتماع في بغداد، إلا أنه عندما تعذر تحقيق ذلك بالوسائل الدبلوماسية، وُضع خلق حالة من انعدام الأمن في محافظة بغداد على جدول الأعمال الإيراني. في 21یولیو 1982 (30 تير 1361هـ. ش) قصفت طائرات «فانتوم» بقيادة «عباس دوران» مصفاة «الدورة» في بغداد.

و بعد أن استهدفت طائرة «عباس دوران» مصفاة الدورة و اخترقت جدار الصوت فوق بغداد، أصيبت أثناء عودتها بصواريخ عراقية و بدلاً من القفز الاضطراري، ضغط «عباس دوران» على زر الإخراج الاضطراري للمقصورة الخلفية في طائرته، التي كان يقودها الطيار «منصور كاظميان» لكي يتمكن الأخير من الهبوط بالمظلة. أما «عباس دوران»، فواصل توجيه الطائرة نحو فندق «الرشيد» حيث كان مقرراً عقد قمة دول عدم الانحياز، فدمّر الفندق واستشهد. أدت هذه العملية إلى إلغاء عقد قمة دول عدم الانحياز في بغداد بسبب انعدام الأمن، و نُقلت القمة إلى نيودلهي و عُقدت هناك.⁠[20]

في14 مارس 198م (23 إسفند 1363هـ. ش) تعرض مصرف «الرافدين» في وسط بغداد للقصف بصواريخ إيرانية و كان ذلك أول إطلاق لصاروخ باتجاه بغداد من جانب وحدة الصواريخ التابعة للحرس الثوري الإيراني و أسهم هذا الهجوم في الحد من الهجمات العراقية على المدن الإيرانية لفترة من الزمن. في 17مارس 1985 (26 إسفند 1363هـ. ش) أطلقت إيران صاروخاً آخر باتجاه أحد قصور «صدام» في بغداد، إلا أن الصاروخ أصاب مبنى في منطقة «الكُوادة الشرقية» بالقرب من قصر «صدام». في 18مارس 1985 (27 إسفند 1363هـ. ش، أصاب الصاروخ الإيراني الرابع المبنى الجديد لوزارة الخارجية العراقية في بغداد، في القسم الغربي من نهر «دجلة».

وقع هذا الهجوم في الوقت الذي كان فيه العراق منشغلاً بإقامة احتفالات في شوارع بغداد بمناسبة انسحاب القوات الإيرانية خلال عملية «بدر». أما الصاروخ الإيراني الخامس، فقد أُطلق فجر يوم الثلاثاء 19مارس 1985 (28 اسفند 1363هـ. ش) باتجاه بغداد، في الوقت الذي كان فيه رئيس جمهورية مصر وملك الأردن موجودين في المدينة و أصاب المركز الصناعي و النفطي في «الدورة».⁠[21]بحلول نهاية الحرب المفروضة، تعرضت بغداد للهجمات الصاروخية الإيرانية 80 مرة.⁠[22]

بموجب الاتفاق المبرم بين إيران و العراق، ظلت سفارتا البلدين مفتوحتين طوال فترة الحرب حتى عام1987 (1366هـ. ش).⁠[23]و كانت السفارة الإيرانية في بغداد أكبر سفارة في المدينة.⁠[24]و كان من بين أفراد السفارة الإيرانية ضباط من الدائرة الثانية في الجيش، كانوا يستخدمون معدات إلكترونية للتنصت و جمع المعلومات داخل بغداد.⁠[25]منذ انتصار الثورة الإسلامية و حتى أبریل 1980 (فروردين 1359هـ. ش)، تولى حجة الإسلام «السيد محمود دعائي» مسؤولية السفارة الإيرانية في بغداد. ثم تولى «مهدي بشارت» هذه المسؤولية من أبریل 1980 (فروردين 1359هـ. ش) إلى أغسطس 1983 (مرداد 1362هـ. ش)، فيما تولى «محمد علي فري بور» منصب السفير و القائم بالأعمال حتى 2أکتوبر1987 (10 مهر 1366هـ. ش).⁠[26]

في نهاية السنة السابعة للحرب، أي عام1987 (1366هـ. ش) قطعت الدولتان علاقاتهما السياسية والدبلوماسية، وعاد الدبلوماسيون الإيرانيون و العراقيون إلى بلديهما⁠[27]وأُغلقت السفارة الإيرانية في بغداد. مع انتهاء الحرب المفروضة، استؤنفت العلاقات السياسية رسمياً مع العراق اعتباراً من 20 أکتوبر1990 (28 مهر 1369هـ. ش)، عقب إعادة افتتاح السفارة الإيرانية في بغداد.⁠[28]و في عام 2003م (1382هـ. ش) و مع الهجوم الأمريكي و البريطاني على العراق، سقطت مدينة بغداد في أيدي القوات المهاجمة، وانتهى حكم نظام «صدام حسين».⁠[29]


المصادر والمراجع

  • [1]. موقع «تابناک»، https://www.tabnak.ir/.
  • [2]. موقع «ميدل إيست نيوز»، بغداد سومین شهر پرجمعیت جهان عرب (بغداد ثالث أكبر مدينة من حيث عدد السكان في العالم العربي (T https://mdeast.new.
  • [3]. موقع ألف، «اماکن متبرکه بغداد عراق» (الأماكن المقدسة في بغداد بالعراق)، https://www.alef.ir/news/4020824014؛ دائرة المعارف الإسلامية الكبرى، «بغداد» http://www.cgie.org.ir/fa/article/259740.
  • [4]. دائرة معارف العالم الإسلامي، «بغداد» https://rch.ac.ir/article/Details?id=6867.
  • [5]. المصدر نفسه.
  • [6]. المصدر نفسه.
  • [7]. المصدر نفسه.
  • [8]. المصدر نفسه.
  • [9]. وكالة أنباء «الدفاع المقدس»، «ترور طارق عزیز و بهانه آغاز جنگ» (اغتيال «طارق عزيز» و ذريعة بدء الحرب)، 15 فبرایر 2025م (26 بهمن 1403هـ. ش)، https://defapress.ir/fa/news/258428.
  • [10]. دُرّی، حسن، کرمانشاه در جنگ (كرمانشاه في الحرب)، تهران: مركز الدراسات و بحوث الحرب، 2005م (1384هـ. ش)، ص48.
  • [11]. المصدر نفسه
  • [12]. المصدر نفسه، ص56.
  • [13]. رخصت‌ طلب، محسن، تاریخ شفاهی دفاع مقدس - روایت احمد غلامپو (التاريخ الشفهي للدفاع المقدس - رواية «أحمد غلامبور»)، مجلد2، تهران، مركز وثائق و بحوث الدفاع المقدس، ص69.
  • [14]. هيئة تدوين تاريخ الدفاع المقدس، (التقويم الموثق لأداء القوة الجوية للجيش في جمهورية إيران الإسلامية)، أکتوبر1980 (مهر 1359ه. ش9) مجلد3، تهران: مركز النشر الاستراتيجي للقوة الجوية للجيش، 2018م (1397هـ. ش)، ص64.
  • [15]. المصدر نفسه، ص283.
  • [16]. المصدر نفسه، ص284.
  • [17]. خلیلی، حسین، نبردهای هوایی ایران - مروری کوتاه بر روند نبردهای هوایی ایران در دفاع مقدس (المعارك الجوية الإيرانية - استعراض موجز لمسار المعارك الجوية الإيرانية خلال الدفاع المقدس)، تهران، دار النشر: «إيران سبز»، 2019م (1398هـ. ش)، ص217.
  • [18]. شیرمحمد، محسن، چشمان عقاب - حماسه گردان 11 شناسایی تاکتیکی نیروی هوایی و عملیات عکس‌ برداری هوایی در دفاع مقدس (عيون النسر - ملحمة الكتيبة الحادية عشرة للاستطلاع التكتيكي في القوة الجوية وعمليات التصوير الجوي خلال الدفاع المقدس)، تهران، مركز النشر الاستراتيجي للقوة الجوية للجيش، 2017م (1396هـ. ش)، ص150– 155.
  • [19]. صحيفة «اطلاعات»، العدد 16532، 22 سبتمبر 1981م (31 شهریور 1360هـ. ش).
  • [20]. موقع «تابناک»، «ابتدا تا انتهای عملیات بغداد به ‌ روایت خلبان از مرگ برگشته» (من بداية عملية بغداد إلى نهايتها برواية طيار عاد من الموت).
  • [21]. وكالة أنباء «إسنا»، «بازخوانی نخستین تنبیه موشکی سپاه در دوران دفاع مقدس» (استذكار أول عقاب صاروخي للحرس الثوري خلال فترة الدفاع المقدس)، https://www.isna.ir/news/96032916460.
  • [22]. وكالة أنباء «تسنيم»، «جزئیات 89 سیلی موشکی ایران به صدام» (تفاصيل 89 صفعة صاروخية إيرانية لصدام)، https://www.tasnimnews.com/fa/news/1194944.
  • [23]. کشایی آرانی، حسن، مخابرات و الکترونیک در دفاع مقدس (الاتصالات و الإلكترونيات في الدفاع المقدس)، تهران، دارالنشر: «سرو»، 2023م (1402هـ. ش)، ص28.
  • [24]. کریمی، مجید، دیپلمات‌ ها چه گفتند - مجموعه گفتگوهایی درباره علل جنگ تحمیلی و سیاست خارجی ایران (ماذا قال الدبلوماسيون - مجموعة حوارات حول أسباب الحرب المفروضة و السياسة الخارجية الإيرانية)، تهران، دار نشر جامعة القيادة و الأركان التابعة للجيش الإيراني (دافوس آجا)، 2016م (1395هـ. ش)، ص118.
  • [25]. کشایی آرانی، حسن، المصدر نفسه، ص28.
  • [26]. دفتر مطالعات سیاسی و بین‌ المللی، سیاستگزاران و رجال سیاسی در روابط خارجی ایران (مکتب الدراسات السياسية والدولية، صنّاع السياسة و الشخصيات السياسية في العلاقات الخارجية الإيرانية)، تهران، مكتب الدراسات السياسية و الدولية بوزارة الخارجية، 1990م (1369هـ. ش)، ص52.
  • [27]. دائرة المعارف الإسلامية الكبرى، «قطع کامل روابط دیپلماتیک ایران و عراق در اوج جنگ تحمیلی» (القطع الكامل للعلاقات الدبلوماسية بين إيران و العراق في ذروة الحرب المفروضة)، 2 أکتوبر 2015م (11 مهر 1394هـ. ش)، https://www.cgie.org.ir/fa/news/72278/.
  • [28]. صحيفة «كيهان»، «سفارت ایران در بغداد امروز رسماً بازگشایی شد» (أُعيد افتتاح السفارة الإيرانية في بغداد رسمياً اليوم)، العدد 14026، ص3، 20 أکتوبر1990م (28 مهر 1369هـ. ش).
  • [29]. وكالة أنباء «إسنا»، «سالروز سقوط بغداد در جنگ عراق» (ذكرى سقوط بغداد في حرب العراق)، https://www.isna.ir/news/92011904839/.

إكمال أو تعديل أو الإبلاغ عن خطأ